المقريزي
385
المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط بيروت )
من مرّ بقوم وهم يأكلون فله أن ينزل ويأكل معهم من غير إذنهم ، وليس لأحد منعه . وألزمهم أن لا يدخل أحد منهم يده في الماء ، ولكنه يتناول الماء بشيء يغترفه به ، ومنعهم من غسل ثيابهم بل يلبسونها حتى تبلى ، ومنه أن يقال لشيء أنه نجس ، وقال : جميع الأشياء طاهرة ، ولم يفرق بين طاهر ونجس . وألزمهم أن لا يتعصبوا لشيء من المذاهب ، ومنعهم من تفخيم الألفاظ ووضع الألقاب ، وإنما يخاطب السلطان ومن دونه ويدعى باسمه فقط ، وألزم القائم بعده بعرض العساكر وأسلحتها إذا أرادوا الخروج إلى القتال . وأنّه يعرض كلّ ما سافر به عسكره ، وينظر حتى الإبرة والخيط ، فمن وجده قد قصر في شيء مما يحتاج إليه عند عرضه إياه عاقبه . وألزم نساء العساكر بالقيام بما على الرجال من السخر والكلف في مدّة غيبتهم في القتال ، وجعل على العساكر إذا قدمت من القتال كلفة يقومون بها للسلطان ويؤدّونها إليه . وألزمهم عند رأس كلّ سنة بعرض سائر بناتهم الأبكار على السلطان ليختار منهنّ لنفسه وأولاده . ورتب لعساكره أمراء وجعلهم أمراء ألوف وأمراء مئين وأمراء عشراوات ، وشرّع أن أكبر الأمراء إذا أذنب وبعث إليه الملك أخس من عنده حتى يعاقبه فإنه يلقي نفسه إلى الأرض بين يدي الرسول وهو ذليل خاضع ، حتى يمضي فيه ما أمر به الملك من العقوبة ، ولو كانت بذهاب نفسه . وألزمهم أن لا يتردّد الأمراء لغير الملك ، فمن تردّد منهم لغير الملك قتل ، ومن تغير عن موضعه الذي يرسم له بغير إذن قتل . وألزم السلطان بإقامة البريد حتى يعرف أخبار مملكته بسرعة ، وجعل حكم الياسه لولده جقتاي بن جنكز خان ، فلما مات التزم من بعده من أولاده وأتباعهم حكم الياسه ، كالتزام أوّل المسلمين حكم القرآن ، وجعلوا ذلك دينا لم يعرف عن أحد منهم خالفته بوجه . فلما كثرت وقائع التتر في بلاد المشرق والشمال وبلاد القبجاق ، وأسروا كثيرا منهم وباعوهم ، تنقلوا في الأقطار ، واشترى الملك الصالح نجم الدين أيوب جماعة منهم سماهم البحرية ، ومنهم من ملك ديار مصر ، وأوّلهم المعز أيبك . ثم كانت لقطز معهم الواقعة المشهورة على عين جالوت ، وهزم التتار وأسر منهم خلقا كثيرا صاروا بمصر والشام ، ثم كثرت الوافدية في أيام الملك الظاهر بيبرس وملؤوا مصر والشام ، وخطب للملك بركة بن يوشي بن جنكز خان على منابر مصر والشام والحرمين ، فغصت أرض مصر والشام بطوائف المغل ، وانتشرت عاداتهم بها وطرائقهم ، هذا وملوك مصر وأمراؤها وعساكرها قد ملئت قلوبهم رعبا من جنكز خان وبنيه ، وامتزج بلحمهم ودمهم مهابتهم وتعظيمهم ، وكانوا إنما ربّوا بدار الإسلام ولقّنوا القرآن وعرفوا أحكام الملة المحمدية ، فجمعوا بين الحق والباطل ، وضموا الجيد إلى الرديء ، وفوّضوا القاضي القضاة كل ما يتعلق بالأمور الدينية من الصلاة والصوم والزكاة والحج ، وناطوبه أمر الأوقاف والأيتام ، وجعلوا إليه النظر في الأقضية الشرعية ، كتداعي الزوجين وأرباب الديون ونحو ذلك ، واحتاجوا في ذات أنفسهم إلى